
ميثولوجيا الدم والموت
قراءة نقدية في رواية أسطورة الدم والموت إيزيس وأوزوريس
للكاتب م. عصام السيد البدوي
كتبت الكاتبة والناقدة منى عبد اللطيف نائب رئيس قسم الأدب بجريدة مصر اليوم نيوز
انتهيت منذ يومين من قراءة رواية أسطورة الدم والموت إيزيس وأوزوريس للكاتب عصام بدوي وهي عمله الروائي الأول وأرفع له القبعة على ذلك…
أسطورة الدم والموت رواية فانتازيه بنيت على أسطورة إيزيس وأزوزوريس، وتضافرت مع جوانب شتى من الميثولوجيا المصرية بمعناها الحقيقي،
ورقيها الذي زيفه البعض، وألحق بها ما يسيء إلينا فألبس حضارتنا رداء الوثنية، وحرّم تراثنا وفنوننا وآثارنا،
بل رسخوا ذلك في الوعي الشعبي الجمعي البسيط فأنفصل الناس عن أصولهم، وها هي لغتنا القبطية تندثر تماما، وها هم أصحاب الجنسيات الأخرى ينسبون إرث مصر وشعبها لأنفسهم بلا استحياء والناس نياما في صمت عن الحقيقة وضوضاء مشحونة بالتفاهات…
سطرها الكاتب بالفصحى سردًا وحوارًا، وطعّم نصوصها ببعض الترانيم مما أضفى أصالة وأثرى محتواه الأدبي، جائت الحبكة ثرية متصاعدة في رتم هادئ ربما رجحت في البداية لو سرّعه بعض الشيء لكن وجدت لكل تفصيله ضرورة في النهاية لذا أحييه على رصانته في سطر خطه…
حين أمسكت بالرواية أتفحصها قبل قرائتي لها أزعجني الغلاف بعض الشيء، لكنى آثرت الصمت وأجلت سؤالي لبعد أن أنتهي من قراءة الرواية، حتى أمس ألتقت بجمع راقي من مثقفي صالون النيل الثقافي، وهم الكاتب الدكتور أحمد عماد، والكاتب الدكتور محمد الشخيبي، والكاتبة أية الشخيبي لمناقشة عمل المهندس عصام الذي كان حاضرًا معهم ليس فقط لنناقش عمله بل بصفته عضو بالصالون،
وقبل أن تباشر في نقاشنا سألته (لم إيزيس سوداء البشرة؟) وسؤالي هذا ليس بغرض العنصرية إنما نحن في صدد طوفان ممول يُطلق عليه الأفروسنتريك، وربما يؤخذ الغلاف كذريعة ودليل من كاتب مصري على باطلهم، وكانت إجابته بسيطة موجزة جعلتني أخجل من سؤالي وهي (نحن جميعا أفارقة والمصري قمحي البشرة ليس أبيض تماما وعظم حضارتنا وتاريخنا لن يؤثر عليهما مجرد غلاف) فأسعدتني ثقته وخجلت من خوفي الناتج عن تعلقي الشديد بثوب أمي مصر التي يرتجف القلب إن راودتها زلة سوء؛
غلب الطابع الديني المتسامح على أحداث الرواية التي تعددت خيوطها وتشعبت طرقاتها والراوي واحد عليم بشتى السرائر النفسية واليومية للجن والإنس والصالح والطالح،
نعم، فعلى الرغم من أنها مبنية على أسطورة إيزيس وأوزوريس إلا أنها تطرح نظرية ومفهوم هام جدًا وهو أن المصريين القدماء كانوا موحدين وأن ما يطلقون عليهم الآلهة ما هم إلا تجليات للإله الواحد، وقد جسدهم عصام بدوي في شخوص صلاحهم أقرب للأنبياء،
وعلى النقيض تمامًا كان ماسونير وأعوانه وربما يذكركم الاسم بشيء ما أو كيان ما…
نعم، فمن خلال الأحداث وجدت إسقاطات كثيرة على واقعنا صاغها الكاتب بحرفية فتضافرت داخل العمل صانعة رباط وجداني مع القارئ فتارة كنت أغضب وأمقت بعض الشخصيات وتارة أخرى تعلقت وفي بعض الأحيان انفعلت وتحدثت بلوم خاصة حين قال أحوم ما قاله بسذاجة عصفت بذهني وبسير الأحداث وعقدت الرواية عقدة هائلة لم تُحل إلا في نهايتها بعدما كنا على أعتاب الانتصار…
ومن خلال رحلة عمرها ثلاثمائة وخمس وستين صفحة سافرت فيها بين البلدان وبكيت أمام دموية طقوس ماسونير وشياطينه، وارتعش جفناي في رؤى إيزيس، وتمزق قلبي بين أقطار مصر رفقة جثمان أوزوريس، وثرت بين نصليَّ حورس وإسار، رحلة خضتها بكل فخر وحبور ببراعة تدشين أشهر ميثولوجيا مصرية داخل رواية نفيسة محبوكة بحرفية مذهلة، أحب أن أشكر الكاتب المهندس عصام السيد البدوي على عمله الرائع المتكامل وأنتظر منه المزيد.
وختامي تلك المرة سيكون بسؤال ليس جديد لكنه. مُلح حد الألم…
وهو، أين تراثنا ومواهبنا القوية وأقلامنا المحبوكة من الإنتاج السينمائي والتليفزيوني المصري؟






